الجرأة على الاعتقال .. مرة أخرى

09.كانون2.2017

بقلم : محمود الطويل

عادةً ما يكون "النبشُ" في ذاكرة الألم أكثرَ إيلامًا مما حدث، كما يكون عادةً البحث في ذاكرة الفرح أكثر إسعادًا مما حدث، ولهذا أعترف، أن الجرأة على الكتابة عن أمرٍ يتعلّق بتجربة اعتقالٍ، هي كالجرأة على الاعتقال مرة أخرى، أي أن تُدفن حيًا مرةً أخرى، وممنوعٌ عليك الموت، أي أن تعشق أيَّ شيءٍ يدلُّ على أن هناك حياةً أخرى خلف الجدران، أي أن تعرف جوعَكَ .. حزنك.. كما لم تعرفهما من قبل، أي أن تحلمَ دون نومٍ وأن تصحو قبل الحلم.

ليست آثار التعذيب هي وحدها التي ترافقك، هذا الخروج لن يكون أقل ولادةً من الولادة الأولى، وسترافقك الكثير من الآثار، الذهنية والسلوكية، ستفقد ذاكرتك رويدًا رويدًا، وتنزاح طِباعُك أيضًا، تخشى الوِحدة لأن الأماكن ستضيق عليك مهما اتّسعت، وستبدأ ذاكرتك بالغثيان، وتبقى مذهولًا تائهًا إن التقيت بأشخاصٍ كُثر، الأماكن المزدحمة تعني لك شيئًا واحدًا، أن "المهجع" الذي انتقلت إليه يضيق بالمعتقلين، وهذا إنذارٌ بأن موتًا ما سيحصد أعدادًا منهم.

هنا، بعيدًا آلاف الكيلومترات عن أولئك السّفلة، ما زلت أرتبك إن وقفت سيارةٌ بقربي، أتردد في المسير وأراقب حركة أبوابها، ستفتح ببطئٍ أم بسرعة؟، هل الأحذية التي ستبدأ بالنزول رسمية أم عسكرية؟، صندوق السيارة يتّسع لمعتقل أو أكثر؟،كل ذلك لثوانٍ معدودة، ثم أتابع سيري، ويتابع ركّاب السيارة نزولهم، غير آبهين بالأسئلة التي اجتاحتني.

هنا أيضًا، ما زلت حتى الآن، أشرب الماء دون عطش، وآكل على غير جوع ورغبة، فقط كي أؤكد لنفسي أن لا أحد سيمنعني ماءً لثلاثة أيام، ولا أحد سيمنعني طعامًا عدا كسرة خبزٍ، ثمانية حبات زيتونٍ كافية لثمانية ـ تاسعهم لم يرجع من التحقيق بعد ـ، أدخل إلى "دورة المياه" دون حسبانٍ للوقت، فذلك السجان لن يَعُدّ عليّ " واحد ـ تنين ـ تلاتة ـ خمسة، طلاع اتدولب يا عرصا"، أتمدد أمامه على ماء يكسو الأرض والسجان يعدُّ ضرباته ولكنه لم ينسَ رقم "أربعة" هذه المرة.

أُشغل الضوء في منتصف الليل، وفي منتصف النهار، أراقب الشمس بهدوءٍ وشهيّة، أتأكد بين الفينة والأخرى أن الأبواب التي حولي لم تُقفل، أحرِّكُها بثقة دون أن أنتبه لأصوات مفاصلها، ثم أبقيها نصف مفتوحة ونصف مغلقة، وأستحم وقتما أشاء بمواعيد عشوائية، كل ذلك لأثبت لنفسي أنني أملك الآن القدرة، ففي المعتقل تستطيع أن تُفرِّق فلسفيًا بين القدرة والإرادة، وتستطيع أن تُدرك انتصارك حين تدافع عن إرادتك بينما يسلبونك القدرة، فتبقى منتصرًا لأنهم يقاتلونك في مكانٍ لا تقاتل فيه، فالإرادة لا القدرة هي محل الانتصار هناك، على أنني وكي لا أنسى بعض الأبيات كتبتُها بقطعة صابونٍ صغيرة على طرف قماش بقيَ على جسدي، كان ذلك انتصارًا جزئيًا للقدرة.

في الطرقات، أحاول قراءة كل خطوطٍ حُفرت على جدارٍ أو على رصيفٍ أو على كرسي انتظارٍ أو على شجرة، إنها رسائل من معتقلين يمشون بيننا، يتكلمون دون أن نسمعهم ربما زنازينهم بداخلهم لا تحت الأرض مثلنا، يستأنسون بخطواتنا، وبقراءتنا لكلماتهم، كما كنا نستأنس في زنازيننا بأي شيء.

حتى الآن، عند الحديث عن الاعتقال، تتقطّع أنفاسي فجأة ويترنّح صوتي على حين غفلة، ويضيع النوم تلك الليلة، فالأحلام ستتنافس أيها يزعج أكثر، أيها يوقظ أكثر، والذاكرة ستكون على أهبة الاستعداد لتأتي بالأحداث الأبشع من زاوية النسيان، ستكون كهذه الليلة التي لن أنامها اليوم.

أما "فيروز" فتلك قصة ثانية، أحيانًا كنا نسمع السجانين حين يستمعون لفيروز، ندري تمامًا بأنها لا تعنيهم كما تعنينا، ولكن ذات تسليةٍ لهم كنت أتلقى ضرباتِ أحدهم على رجليّ وظهري بينما كانت فيروز تقول لنا "مش كاين هيك تكون "، أتذكر حتى الآن مقطعين آخرين لفيروز رافقاني مع التعذيب "وينن .. وين صواتن وين وجوهن وينن" ومقطع "ياريت .. منن مديتن إيدي وسرقتك .."، ربما لسرٍ ما خفيٍ بقي صوت فيروز هو التفصيل الذي لا يُزعج مهما كانت الذاكرة المرافقة له قاتلة.

 

خرجتُ من الاعتقال الثالث في سجون نظام الأسد أثناء ثلج اليوم التاسع من كانون الثاني عام 2013، وأعود إليه مرةً أخرى ـ أثناء كل الكتابة ـ على أمل الخروج الأخير في ثلجٍ آخر .. بزاوية القصيدة.