مَن «ينتحر» فى إيران؟

13.كانون2.2018

ما كان للرئيس الإيرانى حسن روحانى أن يعطى الاحتجاجات التى اندلعت أبعادا سياسية واجتماعية لولا قناعته بأن التعامل الأمنى البحت مع حركة الاعتراضات قد يصيب النظام نفسه بتصدعات على المدى الطويل، وما كان ليطلق مواقف تخالف مواقف المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، على خامنئى، لولا معرفته الدقيقة بأن المتظاهرين ليسوا خونة أو أداة فى أيادى الاستخبارات الخارجية، كما دأب القادة الإيرانيون على تشخيص حركة خروجهم إلى الشارع.

«روحانى»، الذى اعتبر أن من حق المحتجين أن ينتقدوا مَن يشاءون فى إيران، إنما حاول التخفيف من بشاعة منظر رجال الأمن وهم يتعاملون بقسوة لا نظير لها مع مَن يهاجم المرشد بالاسم، ويعتبرون أن لا سلطة له عليهم، فالهراوات التى تنهمر على رؤوسهم هنا منطلقاتها تتجاوز الأمنى والسياسى إلى «القدسى»، أى إلى شرعية دينية، كون «خامنئى»- حسب معتقداتهم- هو نائب المهدى الإمام المنتظر، وفى الغطاء الشرعى الدينى تنتهى المحظورات لمصلحة الضرورات، والضرورات هنا تتشابه مع فرض الحد، كون الطاعة للمرشد إيمانا وكون عصيانه كفرا.

وإذ يجد الرئيس «روحانى» نفسه فى موقف لا يُحسد عليه، كونه ابن النظام البار من جهة و«الرمز» الواعد بالتغيير من جهة أخرى، إلا أنه اضطر لاتخاذ مواقف عاكست كل ما قاله القادة الحقيقيون للنظام الإيرانى وأتباعهم النجباء من زعماء ميليشيات عراقية ولبنانية. قالوا إن المتظاهرين عملاء، وهو قال إنهم وطنيون. قالوا إنهم احتجوا على تبخر مشاريع إسكانية ومدخرات بنكية، وقال إن الموضوع اجتماعى شامل، ولا يتعلق بانتكاسة هنا أو حادثة هناك. قالوا إنهم خرجوا إلى الشوارع بعد ارتفاع الأسعار، وقال إن المشكلة سياسية بامتياز. قالوا إن دولاً أجنبية وعربية حركت الناس، ولابد من قمعهم، وقال إن الحريات العامة يجب أن تُصان وتتسع، وإن القمع مرفوض.

هذه المواقف تشى إما بأن الرجل يتقن لعبة تبادل الأدوار حفاظا على استمرار النظام، وإما أنه يدرك أن الشرخ بين النظام وناسه أكبر مما هو متوقع، حتى ولو تأجل الانفجار.. والقريبون منه يقولون إنه يتقن ويدرك، أى يسير فى الخطين معا.

فى إيران شعب على درجة كبيرة من الحيوية والديناميكية والقدرة على التعبير والتغيير، شعب يرى أنه ينتمى إلى واحدة من أغنى الدول بالثروات الطبيعية والمقدرات، ومع ذلك يعيش الكثيرون منه تحت خط الفقر، شعب يرى أن مداخيل دولته تذهب إلى ميليشيات هنا وهناك ومشاريع عابرة للحدود بهدف حماية النظام وتوسيع نفوذه إقليميا، ويرى أن معدلات الفساد فى الداخل فاقت مثيلاتها أيام حكم الشاه السابق، مع فارق أن أحدا لا يجرؤ على الكلام وإلا فمصيره الاختفاء.

هنا يختلف الأمر عن الانتفاضات السابقة المتعلقة بتزوير انتخابات أو قمع إصلاحيين. المتظاهرون أعلنوا «الكفر» الوطنى بالإصلاحيين والمحافظين على السواء. هم يرفضون سقف النظام برمته ولعبة تداول السلطة بين أقطاب يدينون بالولاء إلى مرشد واحد، ولذلك لم تكن شعاراتهم الكارهة للسلطة كلها أقل حضورا من شعاراتهم الاقتصادية، وهو ما سمعه «روحانى» جيدا وقرأه أيضا بعمق.

لكن سقف التوقعات فيما يتعلق بالموضوع الإيرانى يبقى محكوما بجملة وقائع، أهمها تفتيت النظام للدولة بمفهومها الدستورى، وإحلاله منظومة قائمة على تعدد الأجهزة الأمنية والسياسية المربوطة كلها برابط دينى يعطى «حُماته» حق القوة المطلقة مادام الفوز بالجنة مقدما على الفوز فى الأرض، إضافة طبعا إلى سياسة دولية فاشلة فى مقارباتها وتدخلاتها، ووضع إقليمى مشتت، ومع ذلك فمَن يتمعن فى وجوه الخارجين إلى الشارع وشعاراتهم يدرك أنهم منتفضون حقيقيون ضد واقعهم ونظامهم، ولو كانت انتفاضتهم فى البداية نوعا من «الانتحار»، حسب توصيف نائب إيرانى، طالب المتظاهرين بالتركيز على الغلاء وتجنب الحديث عن «خامنئى».

وإذا كان «الانتحار» استنتاجا سريعا لمؤيدى النظام فى توصيفهم للاحتجاجات، فإن استمرارها- ولو بعد استراحات- رسالة إلى النظام نفسه بأن يتوقف عن نحر شعبه ونحر الآخرين عبر حلم الإمبراطورية الإقليمية، وأن يتمعن جيدا فى تجارب أنظمة كان قادتها يعتقدون أنها عصية، حتى على الاهتزاز، فإذا بهم يمضون تحت أنقاضها.. و«روحانى» بالطبع يقرأ المشهد فى «مشهد» وأخواتها بعين قلقة، مهما انتشى حُماة التجربة بفائض قوتهم راهناً.

  • اسم الكاتب: على الرز
  • المصدر: المصري اليوم
  • رابط المصدر: اضغط هنا

الأكثر قراءة